عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

376

اللباب في علوم الكتاب

فصل في معنى « سعيا » قيل : معنى « سعيا » عدوا ومشيا على أرجلهنّ ؛ لأن ذلك أبلغ في الحجة . وقيل : « طيرانا » . ولا يصحّ ؛ لأنه لا يقال للطائر إذا طار : سعى ، ومنهم من أجاب عنه : بأن « السّعي » هو الاشتداد في الحركة ، فإن كانت الحركة طيرانا ، فالسّعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة . روي أنّه - عليه الصّلاة والسّلام - ذبحها ، ونتف ريشها ، وقطّعها أجزاء ، وخلط لحمها ، وريشها ، ودمها ، ووضع على كلّ جبل جزءا من ذلك المجموع ، وأمسك رؤوسهن ، ثم دعاهنّ فقال : تعالين بإذن اللّه تعالى ، فجعلت كلّ قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى ، وكل عظم يصير إلى الآخر من جثّته ، وكل بضعة تصير إلى الأخرى ، وإبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - ينظر ؛ حتى لقيت كل جثّة بعضها بعضا في الهواء بغير رأس ، ثم أقبلن إلى رؤوسهنّ سعيا : كلّ جثّة إلى رأسها ، فانضمّ كلّ رأس إلى جثّته ، وصار الكلّ أحياء بإذن اللّه . « وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ » غالب على جميع الممكنات « حكيم » عالم بعواقب الأمور ، وغاياتها . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 261 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) لمّا بين تعالى أصل العلم بالمبدأ ، والمعاد ، وبيّن دلائل صحّتها ، أتبع ذلك ببيان الشرائع ، والأحكام ، فبدأ ببيان التكليف ، بالإنفاق . قال القاضي « 1 » في كيفية النّظم : إنه تعالى لمّا أجمل قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] فصل بهذه الآية الكريمة تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلّة على قدرته بالإحياء والإماتة ، من حيث : لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق ، وسائر الطاعات عبثا فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق : قد عرفت أنّي خلقتك ، وأكملت نعمتي عليك ، بالإحياء ، والإقدار ، وقد علمت قدرتي على المجازاة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعيا إلى إنفاق المال ؛ فإنه يجازي القليل بالكثير ، ثمّ ضرب لذلك الكثير مثلا . وقال الأصم « 2 » : إنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتجّ على الكلّ بما يوجب تصديق النبي - عليه الصّلاة والسّلام - ؛ ليرغبوا بالمجاهدة بالنفس ، والمال ، في نصرته ، وإعلاء شريعته .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 39 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق .